ماذا تنتظر الأميرة عند صلاح عبد الصبور في مسرحيته الشعرية؟

“إني خيرتُكِ فاختاري […] لا تقفي مثلَ المسمارِ” هكذا يقول الشاعر الكبير نزار قباني ضمن كلمات قصيدة إختاري.

فدائمًا هناك رجل ما يتحكم في امرأة ما تحت أي مسمى (الأبوة، الأخوة، الزوج، إلخ…). وكما أن الفن هو مرآة الواقع، فإن الأعمال الأدبية كذلك دائمًا ما تعكس النظرة المجتمعية للمرأة، معتمدة على عوامل كثيرة منها وجهة نظر الكاتب نفسه الذي بالتأكيد تظهر أفكاره وآراءه في النص.

مسرحية الأميرة تنتظر للكاتب صلاح عبد الصبور

الأميرة تنتظر هي مسرحية شعرية للكاتب صلاح عبد الصبور، صدرت في عام 1970 ويتم تقديمها حتى الآن على خشبة المسرح. تتعلق المسرحية بقرار يجب على امرأة/أميرة أن تقرره (كما سيتم عرض ملخص للمسرحية فيما بعد). كذلك تعرض المسرحية الأحداث والضغوطات النفسية التي تتعرض لها الأميرة من أجل اتخاذ هذا القرار.

سيتم في هذا المقال إعادة النظر في نص مسرحية الأميرة تنتظر للكاتب صلاح عبد الصبور بعين الاتجاه النفسي في المدرسة النسوية للنقد الأدبي.

قبل البدء: ما هو المسرح الشعري؟

الدراما الشعرية وفقًا لما جاء بمعجم إبراهيم حمادة: “هو النص المسرحي الذي يكتب شعرًا، ليؤدى على خشبة المسرح، أمام مشاهدين. وفي بعض الأحيان يستخدم مصطلح الشعر المسرحي أو الدرامي ليدل على النص المنظوم الذي يصلح للقراءة فقط دون الحاجة إلى تمثيله”.

كما يظهر من التعريف أن الشعر هو العامل الأساسي المميز للمسرحية الشعرية، وهو ما يميزها عن أنواع المسرح الأخرى. ومع ذلك يجب أن يتم تحقيق عناصر الدراما في النص مثل الحوار والصراع والحبكة بالإضافة إلى البناء الدرامي وما يتضمنه من وحدات درامية ثلاثة.

النسوية فزاعة في عقول الرجال

ولكن ما هي المدرسة النسوية في النقد الأدبي؟ النقد الأدبي النسوي هو نقدٌ أدبي جوهره سياسات النسوية، حيث يعتمد على تصورات ومبادئ هذه الحركة في نقد الأدب، كان اهتمام النسويات الأولى بمفاهيم الفن المختلفة التي تم وضعها واقتصارها على الفنون التي يقدمها الرجال متجاهلين آثر النساء.

ففي البداية كان الهدف من النقد الأدبي النسوي أو Feminist literary criticism تحليل النصوص القديمة في السياق الأدبي بمنظور جديد، ويوجد أربعة اتجاهات للنقد الأدبي النسائي وهم: (النقد الأدبي البيولوجي، النقد النسائي القائم على اللغة، الاتجاه الثقافي ومدرسة الاتجاه النفسي). يعتمد الاتجاه الأخير على آراء مدرسة التحليل النفسي سواء عند سيجموند فرويد أو جاك لاكان وتأثير ذلك على شعور المرأة بالاغتراب؛ بسبب تهميشها وتهميش دورها في عملية البناء النفسي الجنسي عن الطفل.

مدرسة الاتجاه النفسي بالأخص أثرت في النقد الأدبي النسوي بشكل كبير، ويرجع ذلك إلى انشقاق المدرسة نفسها إلى فريقين، مدرسة كارين هورني في مقابل مدرسة فرويد ولاكان. هورني شككت نظريتها الأنثوية في أراء فرويد ولاكان التي كانت متمركزة حول قوة وهيمنة الرجل في عملية التنشئة الاجتماعية.

كما اختلفت مع فرويد حول الفروقات المتأصلة في سيكولوجية الرجال والنساء، ودرست تلك الفروق على المستوى البيولوجي والسيكولوجي والثقافي أيضًا. انشقاق هورني عن المدرسة الأرثوذكسية الفرويدية ناتج عن تأثرها بالحركة النسوية آنذاك في أوائل القرن العشرين. مما ساهم فيما بعد في تطور النقد الأدبي النسوي.

ما قصة أميرة صلاح عبد الصبور بالضبط؟

أحداث مسرحية الأميرة تنتظر هي عبارة عن إعادة وتكرار الليلة الأخيرة للأميرة في قصرها، الليلة التي قُتل فيها أبوها من عشيقها واستولى على العرش، لتغادر الأميرة القصر مع وصيفتها وتذهب لتعيش في كوخ نائي. بعد خمسة عشر خريف وفي أثناء إعادة التمثيل الروتينية التي تقوم به الأميرة مع وصيفتها كل ليلة، يظهر عشيقها -الملك الحالي- السمندل يطلب من الأميرة أن تعود معه.

وبالرغم من أنه قاتل والدها في لحظة كادت الأميرة تضعف لحبها له، ولكن يظهر القرندل -الذي كان يحتمي في كوخ الأميرة- ويقتل السمندل، وينصح الأميرة أن تحافظ على هيبتها، وتعود أميرة للقصر ولا تسلم نفسها لأي رجل تحت أي مسمى؛ لأنها أميرة وليست امرأة عادية.

عنوان النص الأميرة تنتظر يتمثل في لفظين: الأول هو “الأميرة” التي لم يحدد الكاتب عنها أي معلومات سواء في العنوان أو النص لتظل مبهمة مجهولة وكأنه يريد أن يشير من خلالها إلى المرأة عمومًا. أما اللفظ الثاني هو “الانتظار” الذي كذلك لم يحدد كهنة  في العنوان ولم يحدد ماذا تنتظر الأميرة بالظبط، ويترك القارئ ليتشوق لمعرفة ماذا تنتظر الأميرة من خلال قراءته للنص.

تدور أحداث نص مسرحية الأميرة تنتظر كله في ليلة واحدة مع الاستعانة بالرجوع بالزمن “الفلاش باك” لتفسير بعض الأحداث، كذلك تتم أحداث النص كاملة في الكوخ الخاص بالأميرة ووصيفتها. هذان العاملان خدما عاملًا ثالثًا مهمًا وهو الموضوع الواحد، وكأن هدف عبد الصبور هو صب كل تركيز القارئ في نقطة واحدة وهي مشكلة الأميرة وكيف تحلها مع إظهار المشاعر النفسية المضطربة التي تختبرها.

وعن الحوار فوظيفته في المسرح هي إنشاء حركة من خلال الجمل الحوارية المتتالية التي لا تنقطع، وفي المسرح الشعري تكون تلك الجمل عن طريق الشعر، ولكنها لا تلتزم بالقواعد الكلاسيكية للشعر. وفي مسرحية الأميرة تنتظر نجد اللغة سهلة ذات مصطلحات شائعة يفهمها عامة الناس وكذلك نجدها بشكل عام تنحاز إلى الشعر أكثر من انحيازها للدراما.

لا يمكن تخيل أي عمل أدبي قوي بدون صراع قوي مبني على منطق يفهمه القارئ، ويمكن تعريف الصراع على أنه قوتان متعارضتان من خلال تصادمهما تتصاعد الأحداث لتصل للذورة. في المسرحية يحدث الصراع على أكثر من مستوى أولهم والذي أكد عليهم الكاتب هو الصراع النفسي داخل الأميرة بين إحساسها بالذنب من فعلتها وبين حبها للمسندل الذي ظهر في آخر النص بالإضافة إلى إحساسها الداخلي بالضعف وصراعها مع تحديد هويتها. كذلك الصراع بين الخير والشر المتمثلين في  القرندل والسمندل، فيمثل كل منهما جانب الخير المدافع عن العدالة والقوة والشر بما يحمله من جشع وطمع وخسة.

رأى الاتجاه النفسي في موقف الأميرة

مبدأ إجبار التكرار هو مبدأ وضع قواعده سيجموند فرويد وطوره بعد الكثيرين ويعرفه على أنه “أن يفرض الفرد على نفسه -بشكل شعوري أو لا شعوري- تكرار الخبرات والمواقف المؤلمة القديمة مع علمه التام بعدم جدوى تلك العلمية له”. اعتمد فرويد في تأسيسه على لعبة لاحظ حفيده يقوم بها وهي لعبة راحت/جاءت. في غياب أمه يقذف الكرة ويقول راحت، ترجع له فيقول جاءت ويكرر اللعبة مرارًا حتى تعود أمه. يعتقد فرويد أن تلك اللعبة هي محاولة من الطفل للسيطرة على واقعه المؤلم والتخفيف من آثاره النفسية بالتكرار الرمزي للعبة.

في أحداث مسرحية الأميرة تنتظر لصلاح عبد الصبور، تقوم الأميرة كل ليلة بأمر مشابه للعبة حفيد فرويد، كل ليلة تعيد أحداث الليلة الأخيرة لها في القصر وتمثل خيانتها لأبيها وللمملكة لتفريغ جزء من الطاقة النفسية الناتجة عن شعورها بالذنب من فعلتها، عدوان الأميرة ارتد على نفسها فأصبحت هي من تعذب نفسها كل ليلة بإعادة المشهد مرارًا وتكرارًا لتهدأ عواصفها النفسية ويحدث لها ما يشبه التنفيس -الذي رأى فرويد أنها عملية مهمة لتفريغ الطاقة النفسية الناتجة عن الكبت- لتتمكن من النوم وإنهاء ليلتها. وفي الصباح مرة أخرى تشعر بالذنب وفي الليل تعذب نفسها مرة أخرى بالإعادة وهكذا طيلة 15 عامًا.

هل ارتداد العنف على الذات يفيد الأميرة؟

بالرغم من تكرار الأميرة لسبب نكبتها لمدة 15 عامًا (مما ساعدها كثيرًا في تخفيف التوتر الناتج عن إحساسها بالذنب) إلا إنه لم يكن حلًا جذريًا نهائيًا، فمع تعرضها مرة أخرى لحبيبها السمندل ضعفت له ورقت، وفكرت في الذهاب معه متناسيةً دم أبيها الملك الذي قُتل. عزو الأميرة لحل مشاكلها خارجي تمامًا، وذلك بسبب أن حل مشكلة الأميرة ونهاية مأساتها لم يأتِ من داخلها معتمدة على قوتها الداخلية، ولكن جاء من عامل آخر خارجي، وهو القرندل، الذي قتل المعتدي على أبيها، في حين أنها أولى بأخذ ثأرها منه.

ما سبب ضعف الأميرة لهذا الحد؟

أظهر النص الأميرة شخصًا خاضعًا تمامًا لمشاعرها العاطفية الجياشة تجاه السمندل، وكأنها لم تتعلم من المشهد التكراري الذي تعيده كل ليلة هي ووصيفتها. هل يجعل الحب المرأة ضعيفة في نظر عبد الصبور؟؟ يمكن تحديد الوظيفة الأهم من مبدأ إجبار التكرار -بجانب خفض التوتر- على أنها معاقبة الذات على ما اقترفته من إثم، إذاً فترى الأميرة نفسها مذنبة في حق والدها وشعبها ونفسها قبلهم أجمعين. ومع ذلك بمجرد أن رأت حبيبها حنت له وضعفت وكانت تفكر في العودة معه ونسيان ثأر والدها.

وبعدها يأتي القرندل الفارس الشجاع لينهي الأمر بقتل السمندل ويعطي درسًا تهذيبيًا للأميرة التي خانتها مشاعرها مرة أخرى. هل ما يريد أن يقوله النص أن المرأة تهزم  أمام قلبها حتى على حساب أشد المقربين لها وكل قوانين المنطق والعدالة؟ أتنتظر المرأة الرجل المخلص قوي الإرادة الحامل لقوانين المنطق والعدالة ليطبقها وينهي مأساة الأميرة والشعب بأكمله؟ حتى لو الأميرة ضعيفة الشخصية، لم لم يكن الشخص الخارجي المخلص لها هي إحدى وصيفاتها التي عانت معها طيلة 15 عامًا؟